حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

64

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

قابلا للتكوين المودع في ذلك المدد ممّا أودعه اللّه في القلم الأعلى ، فتكوّن في باطن الأرض أكوان أربعة أكثفها الجماد المعدني ، فتحرّكت المعادن بالحركة الايجادية في بطن الأرض ومنعتها الكثافة أن تشقّ الأرض وتخرج منها إلّا النار . والكون الثاني النبات فإنّه تكوّن تحت الأرض ولم تكن فيه كثافة المعدن ولا بلغ من اللطافة ما يفصله عن الأرض ، فشقّ الأرض وخرج إلى الهواء ، لكن بقي رأسه في الأرض فاغتذى برأسه منها وجسمه كلّه في الهواء . والكون الثالث وهو الحيوان ، فإنّه تكوّن في بطن الأرض وتحرّك فيه كما تحرّك المعدن والنبات بالحركة الايجادية ، وزاد على النبات بأنّه شقّ الأرض كما شقّها النبات وخرج منها كما خرج النبات ، وحصلت له زيادة وهي الانتقال من مكان إلى مكان فوق سطح الأرض ، وتخلّص رأسه من الأرض لكن ما بعد رأسه عنها ، بل بقي مكبوبا منحنيا فاغتذى من وجه الأرض وشرب الماء كما شرب النبات . والكون الرابع هو آدم عليه الصلاة والسلام ، فإنّه تكوّن أيضا تحت الأرض وتحرّك كما تحرّكت الأكوان الثلاثة ، وزاد عليها أنّه تخلّص رأسه تخلّصا كاملا فانتصب وانتهى إليه الايجاد ، فأعطاه القلم معناه وهو لطيفته الدرّاكة المعبّر عنها بعبارات مختلفة باعتبارات متباينة ، فتارة يعبّر عنها بالعقل وتارة بالروح وهو الذي به يتنفّس كلّ شيء ، وهو بدء الأسماء الكونيّة وأوّل الخلق وأوّل الأحياء ، وكلّ من تنفّس إنّما يتنفّس بهذه الروح فإنّه أصل الخلقة . وتارة النفس الناطقة لأنّها القلم بالفعل ، ولمّا كان القلم الأعلى إنّما هو قلم لأنّه كاتب ، والكتابة نطق ، كان الانسان هو القلم الأسفل ، فكان ناطقا كنطق القلم الأعلى ، إلّا أنّ القلم الأعلى نطقه معنويّ باطنيّ ، وكان الانسان في آخر السلسلة التي بين جسمه وبين القلم الأعلى فكان مقابلا للقلم الأعلى ، فكان ناطقا مقابلا لنطق المقابل له ، فكان نطق المقابل معنويّا ، فوجب أن يكون نطق الانسان لفظيا ، فنطق بالحرف والصوت .